السبت، 5 يناير 2013
ماتريكس: الجزء الثالث

 


حوار بين نيو وأحد برامج الشبكة:

نيو:

- هل أنت من الشبكة؟

- نعم.. لا.. أعني أنّني كنت كذلك.

- لماذا تركتها؟

- كان يجب أن أفعل.. كان يجب أن أترك بيتي أيضا.. أنا أعرفك.. نعم، في مطعم الرجل الفرنسي.. أنا راما كاندرا.. هذه زوجتي كامالا.. وهذه بنتي ساتي.. نحن تشرفنا كثيرا بمقابلتك.

- أنت برنامج؟

- أوه نعم! أنا النظام الالكتروني المتحكّم في تكرير العمليات.. وزوجتي مبرمجة برامج تفاعلية.. هي مبدعة إلى حد كبير.

- ماذا تفعل هنا؟

- إنّ الجواب بسيط.. أنا أحبّ ابنتي كثير جدا.. أجدها أكثر شيء جميل رأيته.. ولكنّ أيّ برنامج يجب أن يكون له غرض: هو ألا يحذف.. ذهبت إلى الرجل الفرنسي لكي أنقذ بنتي.

- لم أسمع طوال عمري برنامجا يتكلّم عن الحبّ!!.. إنه عاطفة إنسانية!

- لا.. إنه كلمة!!.. ما يهم في الأمر هو الارتباط الذي تدلّ عليه الكلمة.. أرى بأنّك عاشق.. أيمكن أن تخبرني ما الذي قد تقدّمه لتتمسّك بذلك الارتباط؟

- أيّ شيء.

- إذن ربما لهذا السّبب أنت هنا.. لا يختلف كثيرا عن سّبب وجودي هنا!.. لقد وعدتني العرّافة بأن تعتني بساتي بعد أن نعود أنا وزوجتي للمصدر.

- ألن تبقى أنت مع ابنتك؟

- ترتيبنا مع الرجل الفرنسي كان لابنتنا فقط.. زوجتي وأنا يجب أن نرجع إلى عالمنا.

- لماذا؟

- ذلك هو الكارما.. هل تؤمن بالكارما؟.. الكارما هي كلمة، مثل الحبّ.. طريقه أقول بها  ما أنا هنا لأفعله!

***

حوار بين نيو والعرّافة:

نيو:

- لقد ساعدتِني أن أصبح هنا، لكنّ سؤالي هو: لماذا؟.. إلي أين يمضي هذا؟.. أين ينتهي؟

- أنا لا أعرف!

- أنت لا تعرفين، أم أنّك لن تخبريني؟

- أخبرتك من قبل: لا أحد يمكن أن يرى بعد الاختيار الذي لا يفهمه.. وأنا أعني فعلا لا أحد.

- أيّ اختيار؟

- لا يهمّ.. إنه اختياري.. أنا أيضا عندي ما أختاره.. تماما كما عندك أنت.

- هل يتضمّن ذلك الأشياء التي تخبرينني والتي لا تخبرينني بها؟

- بالطبع لا.

- إذن لماذا لم تخبريني عن المصمّم؟.. لماذا لم تخبريني عن مدن صهيون التي كانت موجودة قبلي؟.. لماذا لم تخبريني بالحقيقة؟

- لم يكن الوقت قد حان لكي تعرف.

- من قرّر أنه لم يكن الوقت؟.. أتعرفين من؟.. أتعرفين النفس؟

- أنا أعرفها!

- إذن أعتقد إنه حان الوقت لكي أعرف بضعة أشياء أكثر.

- و كذلك أنا.

- أخبريني كيف انفصل عقلي عن جسدي (ودخلت العالم الوسيط ثم الشبكة) بدون أن اتصل بالكابل؟.. أخبريني كيف أوقفت أربعة آلات من آلات الحراسة بمجرد تفكيري في ذلك في العالم الحقيقيّ.. أخبريني فقط بحق الجحيم ماذا يحدث لي.

- قوة المنتظر/المتفرد تمتدّ إلى ما بعد هذا العالم.. إنها تصل من هنا إلي حيث أتت منذ البداية.

- أين؟

- إلى المصدر، هذا ما شعرتَ به أنت عندما مسست آلات الحراسة.. لكنك لم تكن جاهزا لذلك حينها.. كان يجب أن يقتلك ذلك!.. لكن يبدو أنك لم تكن جاهزا لذلك أيضا!

- المصمّم أخبرني بأنّي إذا لم أرجع إلى المصدر، فإنّ مدينة صهيون ستتحطّم في منتصف هذه الّليلة.

- قلت لك: أنت وأنا لن نكون قادرين أن نشاهد ما بعد اختياراتنا...كما أنّ ذلك المصمّم أيضا لا يمكن أن يشاهد ما بعد أي اختيار.

- لماذا؟

- هو لا يفهمها.. لا يستطيع أن يفعل.. نحن بالنسبة له مجرد متغيّرات في المعادلة.. في كل مرّة يحدث أيّ تغير في المعادلة، عليه أن يقاوم هذا التغيّر ويوجد الحلّ.. ذلك هو غرضه: توازن المعادلة.

- وما غرضكِ أنت؟

- أن أخلّ بتوازنها!

- لماذا؟.. ماذا تريدين؟

- أريد نفس الشيء الذي تريده أنت يا نيو.. وأنا راغبة في أن أصل لذلك، مثلما تريد أنت: نهاية الحرب.

- هل ستنهي؟

- بشكل أو بآخر.

- هل يمكن أن تنقذ مدينة صهيون؟

- أنا آسفة.. ليس لدي الجواب لذلك السّؤال، لكن إذا كان هناك جواب، فهناك فقط مكان واحد ستجده فيه.

- أين؟

- أنت تعرف أين.. وإذا لم تجد الجواب.. فيؤسفني أنه لن يكون هناك مستقبل لأي منّا.

- ماذا تعنين بهذا؟

- كل شيء له بداية، له نهاية.. أرى هذه النّهاية قادمة.. أرى الظّلمة تنقشع.. أرى الموت.

- تقصدين سميث؟

- قريبا جدا، سيكون عنده القوة لتحطّيم هذا العالم.. ولن يتوقف حتى ينهي كل شيء تماما!

- من هو بالضبط؟

- هو أنت.. نظيرك.. نقيضك!.. نتيجة المعادلة التي تحاول أن توازن نفسها.

***

نجح البرنامج سميث في استنساخ نفسه والسيطرة على المصفوفة بما في ذلك الكاهنة.. بل استطاع نسخ نفسه لعقل أحد أفراد مدينة صهيون الذين يدخلون للشبكة مع مورفيوس.. وبهذا بدأ يفكّر في بسط سيطرته على عالم البشر وعالم الآلات أيضا.. خارج المصفوفة!

لهذا ذهب نيو إلى مدينة الآلات، وعرض هدنة بين الآلات والبشر وإيقاف الجيوش الآليّة التي تحاول تدمير مدينة صهيون، في مقابل أن يقضي نيو على سميث.. وقد وافقت الآلات على هذا العرض.

وفي الشبكة.. دار هذا الحوار بين سميث ونيو أثناء مواجهتمهما.

سميث:

- سيد أندرسون، مرحبا بك مرة أخرى.. لقد افتقدناك.. هل أعجبك ما قد عملته بالمكان؟.. سينتهي كلّ هذا الّليلة.. أعرف أن هذا سيحدث.. لقد رأيته.. يجب عليّ أن أشكرك حقا، فبعد كل ذلك، كانت حياتك هي التي علّمتني الغرض من كل الحياة.. الغرض من الحياة هو أن تنتهي!!.. لماذا سيد أندرسون؟.. لماذا تعمل هذا؟.. لماذا تستيقظ؟.. لماذا تقاتل؟.. أنت تعتقد أنك تقاتل من أجل شيء ما؟.. شيء أكبر من بقائك؟.. هل يمكن أن تخبرني ما هو؟.. هل تعرفه حتى؟.. هل هو الحرية أم الحقيقة؟.. ربما السلام؟.. هل يمكن أن يكون للحبّ؟.. أوهام يا سيد أندرسون.. أوهام الإدراك الفائق.. فكر بنى الإنسان الضعيف، يحاول بشكل يائس أن يبرّر أنّ الوجود بدون معنى أو غرض!!.. وأنّهم اصطناعيون كالشبكة نفسها!.. وإن كان بمقدور العقل الإنساني أن يخترع شيئا تافها مثل الحبّ فيجب أن تكون قادرا علي رؤيته، يا سيد أندرسون.. يجب أن تعرفه الآن!.. لماذا سيد أندرسون؟.. لماذا؟.. لماذا تثابر؟

- لأني قد اخترت هذا.

يتحاربان، فيسقط نيو في النهاية منهكا.

سميث:

- هذا عالمي!.. عالمي!. انتظر.. أنا قد رأيت هذا.. هذا هي، هذه النّهاية.. نعم.. عليّ أن أقول شيئا ما.. أقول: كل شيء له بداية له نهاية، يا نيو.

يرتعب سميث فجأة:

- ماذا؟.. ما الذي قلتُه؟.. لا.. لا، هذا ليس صحيحا.. هذا لا يمكن أن يكون صحيحا!

ينهض نيو ويتقدّم نحوه، فيصيح:

- اذهب عنّي!

- ما الذي تخاف منه؟

- إنها خدعة!

ويسيطر سميث على نيو، ويحوّله إلى نسخة منه:

- هل انتهى هذا؟

ولكن الآلات التي تسيطر على جسد نيو في هذه اللحظة، تحلل البرنامج سميث، وتنسف النسخة التي تحول إليها نيو..

هنا يصرخ سميث في ذعر وألم:

- أوه، لا، لا، لا.. لا، هذا ليس عدلا.

وينفجر فجأة ويتلاشى تماما!

***

ينتهي الجزء الثالث بسؤال موجّه إلى العرّافة:

- هل عرفتِ دائما أنّ نيو سيفعل هذا؟

- أوه، لا. لا أنا لم أفعل.. لكن أنا آمنت بنيو.. أنا آمنت.

***

نهاية متوقّعة للفيلم: أنا آمنت!

لأنّ الرسالة واضحة: يجب أن تشكّ في كلّ شيء تعرفه، وأن تؤمن معنا بأنّنا نحتكر الحقيقة، وتؤمن معنا بمسيحنا المنتظر!

هذه عيّنة من الأفكار التي تنقلها الفضائيات ـ بل والمحطات الأرضية ـ لعقول أطفالنا.

ستقولون إنّهم لا يمكن أن يعوا كلّ ما في هذا الفيلم من أفكار.

صدّقوني: هذا أخطر ما في الأمر!

لأنّ كلّ ما لا يعونه الآن، سيدخل كمسلمات في لا وعيهم ليشكّل شخصياتهم وعقولهم وطريقة تفكيرهم وسلوكهم وميولهم وأذواقهم!

الفيلم أكثر من رائع!

وأكثر من خطير!

فاعتنوا رجاء بما يشاهده أطفالكم إلى أن تنضج عقولهم بما يكفي.

***

والآن تحضرني فكرة:

ماذا لو نظرنا إلى الشبكة باعتبارها المنظومة الغربية: مؤسساتها وأدبها وفنها وفكرها وإعلامها وتعليمها واقتصادها وحرية نسائها.... إلخ

وأننا صرنا مستعبدين فكريا في هذه المنظومة دون أن ندري.. لمجرّد أنّنا ولدنا في العبوديّة، كما قال مورفيوس؟؟!!

أنا أؤمن بالمثل القائل:

ما لا يقتلني يزيدني قوّة!

لمثل هذا أرى أنّ أيّ فكرة غربيّة يمكن تحويرها لإعادة توجيهها ضدّهم.. بقليل من التفكير.



الشيخ عمران حسين: الأحلام و الرؤى في الإسلام



.....



.
الجمعة، 4 يناير 2013
ماتريكس: الجزء الثاني


من ضمن الأفكار التي ركّز عليها الجزء الثاني من الفيلم: مفهوم الاختيار:
ففي كلّ لحظة يقابل البطل من ينتظر قدومه.. والكاهنة والفرنسيّ والمصمّم في كلّ موقف يخبرونه بما سيحدث له.. والفيلم في هذا يقول بأن شخصيّة الإنسان تحدّد اختياراته بين البدائل سلفا دون أن يجبره أيّ تدخّل خارجيّ.
الآن أتركك مع بعض الحوارات العميقة والموحية التي وردت في هذا الجزء من الفيلم.. اقرأها بعمق.. استفد مما يصلح فيها، والفظ ما عداه.
أنا أوردها لأنّني أتفق مع بعضها، حول وضعنا كجزئيات من نظام أكبر وأعقد.. ممّا يقلص كثيرا من مساحة ما نظنّ أنّه حرّيّتنا الفرديّة!.. دون أن أعني بالطبع أنّنا مسيرون بالكامل بلا إرادة.
***
في مدينة صهيون.. دار هذا الحوار بين أحد المستشارين ونيو (المتفرد/المنتظر The One.. وهي إشارة واضحة لمسيح اليهود ومخلصهم المنتظر).. وكان الاثنان يتأملان الماكينات التي توفّر الأكسجين والماء لمدينة صهيون القابعة تحت الأرض:
- لكنّنا نسيطر على هذه الماكينات.. هي لا تسيطر علينا.
- بالطبع كيف يمكنها التحكم بنا؟!
- الفكرة لا تبدو معقولة، لكن... هناك شيء واحد.. ما هو التحكّم؟
- إذا أردنا يمكننا إغلاق هذه الآلات!
- بالطبع هذا هو الأمر!.. لقد أصبتَ الحقيقة.. هذا هو التحكم!.. إذا أردنا يمكننا غلقها، تحطيمها، وتقسيمها إلى قطع.. ولكن لو فعلنا ذلك، يجب أن نعرف ما سيحدث لأضوائنا، هوائنا، وأنظمة تدفئتنا!!!.. لذا نحتاج الماكينات, وهي تحتاجنا.
***
حوار بين العرّافة ونيو:
نيو:
- أنتِ لستِ بشريّة، أليس كذلك؟
العرّافة:
- من الصعب أن يصبح الأمر أكثر وضوحا من ذلك.
- إذا كان لا بدّ أن أخمّن، أقول بأنّكِ برنامج من عالم الماكينات.
- تماما مثل ذلك.. حتى الآن أنت على ما يرام.
- لكن إذا كان ذلك صحيحا، فذلك قد يعنى أنّك جزء هذا النظام.. نوع آخر من التحكّم.
- لا تتوقّف.
- أفترض بأنّ السؤال الأكثر وضوحا: كيف آمن لك؟
- بالضبط.. هي فوضى، ليس هناك شكّ.. الأخبار السيئة هي أنّك لا تملك طريقة لتعرف إذا كنتُ هنا كي أساعدك أم لا.. معنى هذا أن الأمر في الحقيقة يعود إليك: يجب أن تقرّر إذا كنت ستقبل ما سأخبرك به، أم سترفضه.. حلوى؟
- هل تعرفين إذا كنت سآخذها؟
- لن أكون عرّافة إذا لم أعرف.
- لكن إذا كنت تعرفين.. كيف يكون لى إرادة كي أقوم بالاختيار؟
- لأنك لم تجئ إلىّ لتفكّر في الاختيار.. لقد جئتَ لأنّك اخترت بالفعل!.. أنت هنا كي تحاول أن تفهم لماذا اخترت!.. أعتقد أنك فهمت الآن لماذا أنت هنا!
- لكن لماذا تهبّين لمساعدتنا؟
- كلنا موجودون هنا لكي نفعل ما علينا أن نفعل..  يثير اهتمامي شيء واحد، يا نيو: المستقبل.. وأعتقد أن الطريق الوحيد للوصول هناك، هو أن نكون معا.
- هل هناك برامج أكثر مثلك؟
- لا، ليس مثلي، لكن... انظر: هل ترى تلك الطيور؟.. هناك برنامج كتب ليتحكم بها لسبب ما.. برنامج كتب للاعتناء بالأشجار، والريح، والفجر، والغروب.. هناك برامج تملأ المكان بالكامل.. البرامج التي تقوم بعملها المقرر لا تظهر.. أنت لن تعلم بأنّها كانت هنا.. لكن البرامج الأخرى...... أنت تعرف... الكلام عنهم كلّ الوقت!
- أنا لم اسمع عنهم.
- بالطبع لا.. كلّ مرّة سمعت شخصا ما يقول بأنّه رأى شبحا أو ملاكا.. كلّ تاريخ سمعت فيه عن مصاصي الدماء.. إنّه النظام الذي يستوعب بعض البرنامج التي تفعل أشياء لا يجب عليها فعلها!!
- برامج تخترق برامج أخرى؟!!!.. لماذا؟
- عادة عندما يفشل برنامج يتم محوه.
- ولماذا يُمحى برنامج؟
- هذا يحدث دائما.. قد يكون هناك برنامج أحسن أو أحدث.. وعندما يحدث هذا، يستطيع البرنامج اختيار الاختفاء هنا، أو العودة إلى المصدر.
- التركيب الرئيسي للماكينة؟
- نعم.. حيث عليك أن تذهب.. حيث المفروض لك أن تكون!
- لقد رأيته.
- في أحلامك، أليس كذلك؟؟
- باب مصنوع من الضوء.
- ماذا يحدث متى تعبر الباب؟
- أرى (ترينتى).. و... الشيء يحدث.
- شيء سيئ؟
- تبدأ بالسقوط.. وبعد ذلك أصحو.
- هل ترها تموت؟
- لا.
- الآن عندك الرؤية، يا نيو.. أنت تنظر إلى العالم.. لكن بدون توقيت.
- إذن لماذا لا أستطيع رؤية ما سيحدث لها؟
- نحن لا نستطيع الرؤية بالنسبة للاختيارات التي لا نفهمها.
- هل تقولين إني أملك اختيار ما إذا كانت (ترينتى) ستعيش أو ستموت؟
- لا.. لقد اتخذت القرار بالفعل!.. الآن يجب عليك فهم هذا القرار!
- لا.. لا أستطيع فعل هذا.. لن أفعل ذلك!
- يجب عليك ذلك!
***
حوار بين أندرسون (نيو) وسميث.. سميث برنامج عميل على الشبكة، وضعته الماكينات لمراقبة البشر ومنع تدخل مورفيوس وأهل صهيون لإيقاظهم.. ويمكن استنتاج أن سميث يرمز للشيطان أو المسيخ الدجال في هذا الفكر الجهنمي..
في نهاية الجزء الأوّل اكتشف نيو قدراته، واخترق جسد سميث ونسفه.. ولكنّ سميث عاد في الجزء الثاني.. بشخصية أخرى أكثر شراسة.
سميث:
- لقد دمرتني سيد أندرسون.. بعد ذلك كنت أعرف القواعد وأعرف ما الذي يجب أن أفعله.. ولكنّي لم أفعله!!.. لم أستطع.. لقد تمت برمجتي كي أبقى وأستمر.. لقد بُرمجت على العصيان!!.. الآن ها أنا ذا يا سيد اندرسون.. ها أنا ذا بسببك.. بسببك لم أظلّ عميلا.. لست جزءا من هذا النظام.. بسببك قد تغيرت.. أصبحت رجلا جديدا.. الأمر الذي يعود بنا إلى السبب في كوننا هنا.. نحن هنا ليس لأننا أحرار.. بل لأننا لسنا أحرارا!!.. لا يوجد سبب للهروب.. لا يوجد أي داع للإنكار، لأن كلينا يعلم أنه بدون هدف لن يكون لنا وجود.. إنّ الهدف هو الذي صنعنا.. الهدف هو الذي طوّرنا.. الهدف هو الذي يحفزنا.. هو الذي يرشدنا.. انه الهدف الذي يُعرّفنا.. إننا هنا سيد أندرسون بسببك أنت!!.. إنّنا هنا كي نأخذ منك ما حاولت أن تأخذه منا: الهدف!!
***
حوار بين نيو والفرنسي، وهو برنامج آخر في الشبكة له قدرات أكبر:
نيو:
- أنت تعلم لماذا نحن هنا؟
- أنا أحب المعلومات.. أعلم كل شيء يمكنني معرفته.. السؤال هو هل تعرفون أنتم لماذا أنتم هنا؟
- نحن نبحث عن صانع المفاتيح (برنامج يوصل للحجرة المركزية للشبكة).
- نعم حقا.. صانع المفاتيح!!.. لكن هذا ليس السبب.. صانع المفاتيح نفسه ليس هدفا.. بمعنى أن البحث عنه معناه الرغبة في... في ماذا؟
- أنت تعرف إجابة هذا السؤال!
- لكن هل تعرف أنت؟.. تعتقد أنّك تعرف لكنك لا تعرف.. أنت هنا لأنك أُرسلت إلى هنا!!.. لقد أُخبرت أن تأتى هنا وأطعت!!.. إنّه ليس سببا أبدا.. كما ترون.. هناك أسباب تجعل العالم هو المكان الوحيد الحقيقي!.. السببية: فعل.. رد فعل.. السبب والقدر.. كل شيء يبدأ بالاختيار.. لا خطأ.. الاختيار هو وهم خُلق بين الذين يملكون القوة والذين لا يملكونها!!.. انظروا هناك إلى هذه المرأة.. يا إلهى انظروا إليها!.. من الواضح أنها تؤثر في كلّ مَن حولها.. تضجّ بالأنوثة.. ولكن انتظر.. كما ترون هذا: هي وعكة غير مسبوقة (استخدم تأثيره ليدفعها للشعور بالصداع).. إنها خاصة جدا.. لقد كتبتها بنفسي.. إنّها تبدأ ببساطة.. تماما مثل الشِعر.. تستطيع رؤيته يا نيو أليس كذالك؟.. إنها لا تفهم سبب هذا الدوار.. هل بسبب كثرة الخمر؟.. لماذا؟.. ماذا حدث؟.. ما السبب؟.. وبعد قليل.. الأمر لا يهم.. بعد قليل السؤال والسبب يذهبون (تنهض الفتاة مغادرة المكان)!.. وكل ما يهم هو الشعور!.. هذه طبيعة الكون: نحارب ضدّه, نحارب لإنكاره... ولكن بالطبع هذه أكاذيب.. تحت مظهرنا الهادئ هذا، الحقيقة أننا كلنا فقدنا السيطرة!!.. السببية: ليس هناك هروب منها.. نحن نحتاج أن نكون عبيدها للأبد!!.. أملنا فقط هو أن نفهم هذا.. نفهم لماذا.. ((لماذا)) هو ما يفصلنا عنهم.. يفصلك عنى.. معك هم أقوياء جدا.. بدونك هم ضعفاء!.. ولكنكم جئتم لي بدون ((لماذا)).. بدون سبب!!.. بدون سبب!!.. بدون وجود قادر على إيجاد حلقة أخرى في السلسلة... لكن لا تخَفْ.. لأني رأيت كيف تطيع الأوامر، فسأخبرك بما تفعله بعد ذلك: عُدْ!!.. عُدْ إلى العرّافة بهذه الرسالة: وقتها كاد ينتهي.
- هذا لم ينتهِ!
- أوه، نعم!.. صانع المفاتيح لي وأنا لا أرى سببا لإعطائه لك.. أيّ سبب على الإطلاق.
- لأين تذهب؟
- رجاء.. لقد أخبرتك , كلنا ضحايا السبب.. شربت نبيذا أكثر من اللازم , يجب أن اذهب لدورة المياه. (ذهب ليطارد الفتاة التي أصابها بالصداع!)
***
في حجرة التحكّم الرئيسيّة بالشبكة.. حوار مع مصمّم الشبكة:
المصمّم:
- مرحبا نيو.
- من أنت؟
- أنا المهندس المعماري.. أنا خلقت الشبكة.. كنت أنتظرك.. عندك العديد من الأسئلة بالطبع.. رغم أن الأحداث غيرت من كيانك، لكنّك تبقى إنسانا بشكل غير قابل للنقض.. ولهذا، فإنّ بعض أجوبتي ستفهمها، بينما أخرى لا!.. بالطبع تريد الآن أن تسأل أسئلة وثيقة الصلة بوضعك الحالي.. قد تستطيع أن تدرك أو لا تدرك.. ولكنّ أسئلتك ليس لها علاقة!!
- لماذا أنا هنا؟
- حياتك هي مجموع الوحدة الباقيّة من المعادلة التي تُخلّ بالتوازن المتأصّل ببرمجة الشبكة.. أنت احتمال شيء شاذّ, بالرغم من كل جهودي المخلصة ظلّ مستحيلا إزالته، وإلا تلاشت دقّة المعدلة الرياضية!!.. وبالرغم من عدم إمكانية إلغائك, أيضا لا يمكن التحكم فيك بسهولة!!.. ذلك هو الأمر الذي جعلك تأتى هنا بعناد!!
- لم تجب سؤالي!
- صحيح جدا.. مثير للاهتمام!.. ذلك كان أكثر سرعةً من الآخرين.
- آخرون؟.. أيّ آخرين؟.. كم عددهم؟
- الشبكة أقدم مما تعرف.. أفضل إحصاء لها هو ذلك القائم على أساس عدد الانحرافات الطارئة.. في هذه الحالة هذه هي النسخة السادسة من المصفوفة!
- لماذا لم يخبرني أحد؟
- لأنه في الحقيقة لا أحد يعرف!!.. فبينما تكون منغمسا في محاولة إيجاد حلّ لهذا الشيء الشاذّ كما تراه بالنطام، فإنّ حلولك تخلق تقلّبات حتى في المعادلات الأكثر بساطة!!
تظهر على شاشات كثيرة تملأ المكان صور نيو، ويصرخ كلّ صورة منها:
- هم لا يستطيعون السيطرة عليّ!!
- أنا سأكسر وجهك!
- أنت ميت!!
- أنا أستطيع أن أقول ما أريد!
- أنت لا تستطيع وضعي تحت أيّ إلتزام!
يتأمّل نيو كلّ هذه العبارات، بينما يواصل المصمّم:
- الاختيار.. المشكلة هي الاختيار!.. الشبكة الأولى التي صمّمتُها كانت فعلا ممتازة.. كانت عملا فنيا..  معصوما.. رفيعا!.. فقط كان يشوبها فشلها التذكاري!!.. كان سبب انخفاض أدائها هو الضعف المتأصلّ في كلّ بشرىّ.. لذا قمت بإعادة التصميم المبنى على التاريخ.. جعلت لكل بشرى نفس تشكيلتك.. ولكن مرّة أخرى أحبطني الفشل!!.. منذ ذلك الحين فهمت بأنّ الجواب يكمن في الحاجة إلى عقل أضعف، أو ربّما لعقل أقلّ تفكيرا لا يقرب الكمال.. ثمّ تعثّرت مع برنامج... برنامج حدسي تخمينيّ... برنامج أوّلي للتحريّ عن سمات الإنسان ومعرفة اختياراته مسبقا.. فإذا كنت أنا أبا الشبكة, فسيكون هذا البرنامج بدون شكّ الأمّ.
- تقصد العرّافة؟؟
- كما قلت، هي أعطت حلاّ تقارب دقته 99 % عنّ كل اختبارات البرنامج.. وأثبتت أن البشر يوافقون على أداء الدور الذي رسمناه لهم بحماس، إذا ما أعطيناهم حقّ الاختيار!!.. حتى إذا كان الاختيار في مستوى غير واعٍ تقريبا... وبجعل النظام بهذه الطريقة أضحت نسبة الخطأ متناقصة.. ولكنّ هذا أدّى لوجود البعض الذين تتعذّر برمجتهم، ولو كانوا أقلية، (نتيجة استغلالهم الزائد لحدود الاختيار الذي تركناه لهم).. لقد تُركوا بدون إشراف (أو تحكّم تامّ).. وهم يشكّلون احتمالا متزايدا لكارثة.. البشر الذين تُركوا بدون إشراف، جعلوا الوضع في خطر في نفس النظام الذي أوجدوا من أجل اتزانه! (مثل نيو وسميث والعرّافة والفرنسي)
- ماذا عن مدينة صهيون.
- أنت هنا لأن مدينة صهيون ستدمّر قريبا..  سنستأصل وجود كلّ واحد من كائناتهم الحيّة البائدة.
- أكاذيب.. أكاذيب!
- الإنكار هو الأكثر توقّعا في الأجوبة الإنسانية!!.. ولكن لتكن واثقا.. هذه هي المرة السادسة التي ندمرها!.. ونحن أصبحنا أكفاء جدا في هذا!!..  الفعل المرشّح لك هو أن تعود إلى المصدر.. بعدها سنختار 23 شخصا من الشبكة: 16 امرأة و 7 رجال، لإعادة بناء مدينة صهيون!!.. وإذا فشلت هذه العملية, فسيكون معنى هذا حدوث انهيار يقتل كلّ أولئك البشر المنوّمين والمرتبطين بالشبكة، وبهذا يضاف إلى دمار مدينة صهيون, دمار الجنس البشري!
- ولكنك لن تسمح لهذا بالحدوث. أنت لست قادرا على ذلك.. تحتاج الآلات لبقاء البشر.
- نحن نستعدّ لقبول بعض مستويات البقاء!.. على أية حال، السؤال الممتاز هو: إذا كنت غير مستعد لقبول ما أقوله لك، فإنّك ستتحمل مسؤولية موت كلّ إنسان في هذا العالم... إنه لأمر ممتع قراءة ردود أفعالك.. أسلافك الخمسة استمعوا للتصميم في وعظ مشابه، استمعوه بطريقة تشير إلى حكمة تتنافى مع لا مبالاة باقي الفصيلة!!.. هذا يسهّل طريق عمل المختار/المتفرد!.. ولكن بينما واجه الآخرون ذلك بطريقة متماثلة جدا، تواجهه أنت بتفصيل أعمق وأدق.. بمعنى آخر، الحبّ.
- ترينتى؟؟
- عمدا، دخلَتْ إلى الشبكة لتنقذ حياتك، على حساب حياتها.
- لا.
- الذي يجلبنا أخيرا إلى لحظة الحقيقة.. حيث يصنع ذلك العيب الأساسي فارقا بينك وبين باقي أسلافك!!.. هناك بابان: الأيمن يأخذك إلى المصدر وإنقاذ مدينة صهيون.. والأيسر للعودة إلى الشبكة.. إلى ترينتى ونهاية نوعك!.. كما قلت قبل ذلك: المشكلة في الاختيار.. لكنّنا نعرف ماذا ستفعل، أليس كذلك؟.. أنا أستطيع رؤية ردّ الفعل في سلسلة المواد الكيميائية الناتجة عن شدة العاطفة، التي صُمّمت خصيصا لسحق المنطق والسبب!!.. العاطفة التي تعميك عن الحقيقة البسيطة والواضحة: هي ستموت وليس هناك أيّ شيء تستطيع فعله لتجنّب ذلك.. ولكن: الأمل!.. إنه أكثر المشاعر البشرية خداعا!!.. إنّه مصدر ونقطة ضعفك.
- أمّا أنا فأملي سيكون ألا نلتقي في وقت آخر.
- نحن لن نفعل.
يختار نيو الباب الذي ينقذ ترينتي.. ولكّنه لا يستطيع إنقاذها.. تموت بين يديه.. ولكنّه يدرك أنّ هذا عالم وهميّ، فيتدخّل لإعادة قلبها للخفقان.. وإعادتها للحياة!
***
نيو لمورفيوس:
- المنتخبون لم تكن مهمتهم أبدا إنهاء أيّ شيء.. إنهم مجرّد نظام آخر للتحكم ضمن الشبكة!
***
كانت هذه أهم النقاشات التي دارت بالجزء الثاني.
لعلك لاحظت طول الحوارات.. وأن نيو يُنصت طويلا ويتكلم قليلا.
الذي يدعو للإعجاب، هو قدرة المخرج على زجّ كلّ هذه الحوارات في الفيلم، دون أن يفقد جاذبيته وتشويقه.. فالفيلم مليء بالمغامرات والخدع.. كما أنّ مثل هذه الحوارات تحاول أن تشبع فضول المتفرج، للعثور على الإجابة الصعبة: كيف يمكن التغلب على هذه الشبكة؟
 ماتريكس: الجزء الأوّل



تلقى الشاب أندرسون هذه الرسالة على جهاز الكمبيوتر الخاص به:

-       استيقظ يا نيو.. الشبكة سيطرت عليك!

وكانت هذه هي البداية التي غيرت مجرى حياته.. للأبد.

***

في الشركة التي يعمل بها، قال له رئيسه:

-       لديك مشكلة في التعامل مع السلطة يا سيد أندرسون.. تعتقد أنّك مميّز وأنّ القوانين لا تنطبق عليك.

***

دار هذا الحوار بين أندرسون (نيو)، ومورفيوس (أحد من يحاربون الشبكة)..

مورفيوس لنيو:

-   نظرتك نظرة رجل يقبل ما يراه لأنّه يتوقع أن يستيقظ في أيّ لحظة!.. والغريب أنّ هذا أمر ليس ببعيد عن الحقيقة!.. دعني أخبرك لماذا أنت هنا.. هناك شيء غير مضبوط في هذا العالم.. لا تعرف ما هو.. ولكنّه موجود.. مثل شظية في عقلك تدفعك للجنون.. هل تعرف ما أتحدّث عنه؟

-       الشبكة.

-   هل تريد أن تعرف ما هي؟.. الشبكة في كلّ مكان.. وهي تحيط بنا.. حتّى الآن في هذه الغرفة!.. تراها حين تنظر من نافذتك.. أو حين تشغّل تلفازك.. تشعر بها عندما تذهب للعمل.. وللكنيسة.. وعندما تدفع ضرائبك.. إنّها العالم الذي عصب عينيك ليعميك عن الحقيقة.

-       أيّ حقيقة؟

-   أنّك عبد يا نيو.. أنّك ولدت في العبوديّة مثل أيّ واحد آخر.. ولدت في سجن لا تستطيع أن تشمّه أو تتذوقه أو تلمسه.. سجن لعقلك!.. ولسوء الحظّ، لا يمكن إخبار أحد بحقيقة الشبكة.. يجب أن تراها بنفسك!

***

من الصعب محاولة تلخيص فيلم Matrix بأجزائه الثلاثة.. لهذا فأنا أنصحكم بمشاهدته.

هذا الفيلم يمثّل خلاصة السينما في نظري.. فهو فيلم إبهار ومغامرات وخدع سينمائيّة، في إطار قصّة من الخيال العلميّ، فلسفيّة بالغة العمق (قد تكون ضدّ الدين في بعض مناطقها.. وقد ترّوج لأفكار صهيونية.. ولكن يبقى للمتفرج عقله.. ما دام بالغا وليس طفلا، لأنّ تأثير هذه الأفلام على الأطفال بالغ الخطورة).

هذا الفيلم جسّد كلّ الحياة في الشبكة Matrix.. فالآلات انتصرت على البشر.. ولكنّ الحرب أدّت إلى شتاء طويل على الأرض، حيث لم تعد هناك مصادر طاقة كافية.. لهذا سيطرت الآلات على البشر وأضافتهم لنظامها مغيبين عن الوعي، ليكونوا مصدرا للطاقة (بطاريات)!!

ولكن إبقاءهم على قيد الحياة فرض عليها أن تخلق لهم عالما افتراضيّا، عبارة عن برنامج كمبيوتر يتفاعل مع عقولهم وأجسادهم، يجعلهم يتصورون أنّهم يعيشون في نهاية القرن العشرين.. هذا البرنامج يسمّى الشبكة.

ولكي يكون هذا العالم مستقرّا، كان لا بدّ من خلق آليات التوازن فيه.. فهناك برامج مهمّتها حماية الشبكة.. لكن في نفس الوقت هناك برامج مهمتها مساندة البشر في التمرد على الشبكة.. وهناك برامج قادرة على تجاوز قوانين الشبكة.. وهكذا...

وبدون هذا التوازن تنهار الشبكة وتفقد الحياة الافتراضيّة القوّة الدافعة التي يولّدها الصراع.. وبالتالي يفقد البشر الدافع للحياة!

لقد رفضت الرقابة المصريّة لعدّة أشهر عرض هذا الفيلم في السينما.. فهو صادم جدّا للعقول.. كما أنّه يحتوي على شغل يهودي فجّ:

فالسفينة التي يستقلها الأبطال تسمى "نبوخذ نصر".. والمدينة التي يعيشون بها تسمى مدينة "صهيون"!! (لاحظوا الشغل اليهودي: البشر الذين يعيشون في عالم الحقيقة ويحاربون من أجلها هم أهل مدينة صهيون.. بينما باقي البشر يعيشون في الشبكة وتسيطر عليهم الآلات في عالم وهميّ!)

ولكن انتهى الأمر بعدم ترجمة كلمة صهيون، وتسمية المدينة بمنطوق الكلمة الإنجليزية "زايون".. وتمّ عرض الفيلم في السينما.

بل.. وتمّ عرضه مؤخرا في التلفزيون أيضا!

ولقد حذفوا لقطة واحدة من الفيلم.. وكانوا موفقين للغاية في هذا الأمر.

تلك هي اللقطة الرهيبة التي يستيقظ فيها أندرسون (نيو)، فيجد نفسه متصلا بالأسلاك في تابوت، ضمن مستعمرة هائلة من البشر المنومين في توابيت مشابهة!

مشهد صادم.. يحاول أن يطمس الفروق بين الحلم والوهم والحقيقة!

ولكن أتعرفون.. أعجبني المشهد للغاية!

ألا يشبه هذا موقفنا حين نصحو يوم القيامة من وهم هذه الدنيا، لنكتشف كلّ الأمور على حقيقتها؟

عموما.. الفيلم لا يمكن تلخيصه، فشاهدوه.

وطبعا لا أدّعي أنّني مقتنع بما جاء به، ولكنّه مادة جيّدة لتحريك الذهن.

***

الآن علي (مورفيوس) أن يشرح له كلّ شيء.. أوصل مخّه ببرنامج واقع افتراضيّ.. حيث تحسّس نيو أحد المقاعد متسائلا في دهشة:

-       هل هذا حقيقيّ؟

فسأله مورفيوس:

-   ما هو الحقيقيّ؟.. كيف تُعرّف كلمة "حقيقيّ"؟.. إذا كنت تتحدّث عمّا يمكنه أن تشعر به وتشمّه وتتذوّقه وتراه، فأنت هنا تتكلّم ببساطة عن مجموعة من الإشارات الكهربيّة، يترجمها مخّك ويفسرها كما تراها!

(وهذا معناه أنّ إرسال هذه الإشارة إلى المخّ سيعطي هذه الحقيقة الافتراضيّة!!.. وهي فكرة علميّة فعلا، وهناك أبحاث لتطويرها.. كما أنّ هناك شواهد لها في ظواهر ما وراء الطبيعة.. فقد كان السياح يقفون بانبهار يتابعون فقراء الهنود وهم يؤدون فقرات مذهلة، تنتصب فيها الحبال فيتسلقونها!!.. ولكن عند تصوير هذه المشاهد بالكاميرات، فوجئ المختصون بأنّ الناس تحدّق بانبهار في الفراغ، بينما هؤلاء السحرة واقفون ينظرون إليهم في تركيز!!.. هذا يبدو أقرب لما فعله سحرة فرعون عندما سحروا أعين الناس ليروا العصيّ والحبالَ ثعابين!

(قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ {116} وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ {117})

(يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى)

إذن فكلّ المطلوب هو أن أرسل لذهنك الإشارات التي يفسرها المخّ على أنّك ترى العصا تتحوّل إلى ثعبان، والحبل ينتصب ورجل يتسلقه!!)

****

الآن أحذّركم مرّة أخرى من أنّ الفيلم يعطي انطباعا بالتشكيك في كلّ شيء.. بما في ذلك الحياة نفسها!!.. فربّما نكون أسرى شبكة معقّدة خفيّة عنّا، وسيأتي من يساعدنا للخروج منها كما حدث مع نيو!

على كلّ حال.. لا أرى هذه نقطة مفزعة.. فمنذ قديم الأزل تراود العقول فكرة أنّ الحياة قد تكون حلما ما نلبث أن نستيقظ منه.. وهي فكرة لا تبتعد كثيرا عن الحقيقة!.. سوى أنّ هذا الحلم له قواعده وله مدته غير المعلومة، ولنا إرادتنا فيه، وعندما نفيق منه سنحاسب على ما فعلناه بهذه الإرادة!

المسمّى ليس مشكلة إذن.. أسمها حلما.. أسمها واقعا افتراضيّا.. أسمها شبكة.. أسمها دنيا.. نحن ما زلنا نتحدّث عن نفس الشيء!

في لحظة فاصلة، سيحضرنا ملك الموت، وسننتبه من سكرتنا على الموت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لنعرف الحقيقة يقينا لا خيال فيه.

ولكن عجبا لابن آدم: لا توجد حقيقة يراها كالحلم البعيد مثل الموت!

***

- "طالما بقيت الشبكة.. لن يتحرّر الجنس البشريّ أبدا؟"

واحدة من الرسائل الخطيرة التي تصدّرها حوارات الفيلم لعقل المشاهد.

إنّ الفيلم يوفّر تربة خصبة لزعزة الثقة في كلّ الثوابت.. ومن ثمّ يسهل أن يثبّت بدلا منها أيّ شيء آخر!

خذ هذا مثلا:

أحد أفراد الفريق الذي يعمل على إفاقة البشر، سئم الحياة الكئيبة في السفينة، والأكل الرديء الذي يأكلونه بها.. وقرّر أن يساعد العملاء الذين يحمون الشبكة للقبض على مورفيوس، مقابل أن يعود هو للشبكة..

وفي هذا يقول للعميل سميث أثناء مقابلته داخل الشبكة:

-   تخيّل: أنا أعرف أنّ شريحة اللحم هذه لا وجود لها فعلا!.. أعرف أنّني حين أضعها في فمي، تخبر الشبكة عقلي أنّها شهيّة!!.. بعد تسعة سنوات من معرفتي للحقيقة، أتعرف ماذا أدركت؟

يلتهم قطعة اللحم بتلذّذ مردفا:

أدركت أنّ الجهل نعمة!!

***

خذ هذا أيضا:

عندما ذهب نيو لمقابلة العرافة، شاهد عندها أطفالا يحرّكون الأشياء عن بعد.. أحدهم ثنى ملعقة بمجرّد النظر إليها.. ثمّ أعادها سليمة مرّة أخرى.. قدّمها لنيو قائلا:

-       لا تحاول أن تثني الملعقة، فهذا مستحيل.. بدلا من ذلك حاول أن تدرك الحقيقة.

سأله نيو:

-       أيّ حقيقة؟

-       أنّه لا توجد ملعقة!

-       لا توجد ملعقة؟!

-       عندئذ سترى أنّ الملعقة ليست هي ما ينثني.. بل أنت!!

هنا استطاع نيو أن يثني الملعقة!

خذ هذا أيضا:

قال سميث لمورفيوس ـ عندما قبض عليه ـ هذا الكلام:

-   هل فكّرت أبدا في جمالها (يعني الشبكة).. في روعتها.. في عبقرية تصميمها؟.. بلايين الناس يعيشون حياتهم وهم غافلون.. هل تعلم أنّ أوّل شبكة قد صمّمت لتكون عالما مثاليا لا يعاني فيه البشر، حيث الجميع سعداء؟.. ولكنّها كانت كارثة!.. لم تتقبّل عقول البشر مثل هذا البرنامج، فهلك الكثيرون منهم، لنخسر حقولا كاملة من الطاقة!!.. البعض ظنّ أنّنا نفتقر إلى لغة البرمجة التي تصف عالم البشر.. لكنّي أؤمن أنّ البشر سلالة تعرف واقعها من خلال التعاسة والمعاناة!!.. العالم الكامل كان حلما ظلّ في عقلكم البدائيّ!!.. لهذا تمّ إعادة تصميم الشبكة كما تراها الآن: قمّة حضارتكم!

***

أمّا هذه، فهي أخطر رسائل الفيلم، وبها ينتهي:

يقول نيو مخاطبا كلّ شخص في الشبكة:

-   أعرف أنّكم موجودون.. أستطيع أن أشعر بكم الآن.. أعرف أنّكم خائفون.. خائفون منّا.. خائفون من التغيير.. أنا لا أعرف المستقبل.. ولم آت إلى هنا لأخبركم كيف سينتهي هذا.. جئت هنا لأخبركم كيف سيبدأ!.. سأرفع هذه السماعة، وعندها سأجعل هؤلاء الناس يرون ما لا تريدونهم أن يروه!.. سأريهم عالما بدونكم.. عالما بدون قواعد وسيطرة وحدود.. عالما أيّ شيء فيه ممكن!.. ما سيحدث بعد هذا، هو مجرّد اختيار أتركه لكم.

يضع السماعة، ثمّ يقفز عاليا ليحلّق في سماء العالم الوهميّ.. مؤكدا أنّه قد اخترق 
 بالفعل كلّ القيود!



بهذا ينتهي الجزء الأوّل.

ترقبوا الجزء الثاني

تابعنا عبر الفايسبوك

عدد الزيارات

free counters

الأعضاء

عدد المتصفحون الان